ثقافة الهدية الدائمة: من الورد إلى الوقف

بقلم: رئيس التحرير
كتب هذا المقال بناءً على فكرة طرحها الصديق العزيز الكاتب والإعلامي عبدالعزيز قاسم، الذي نشر مؤخراً فيديو يظهر أزهاراً أهدتها لابنته صديقاتها، وقد ذبلت سريعاً، دعا فيه إلى نشر ثقافة جديدة تقوم على إهداء شهادة وقف أو تبرع نافع للمهدى، بدلاً من الورد الذي يذبل وينتهي بلا فائدة دائمة.
هذه الفكرة ألهمت التأمل في أهمية تحويل الهدايا إلى أثر باقٍ.
في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أصبح إهداء باقات الزهور تقليداً شائعاً في المناسبات الاجتماعية والعائلية والرسمية، فالورد يرمز إلى الجمال والعواطف الدافئة، إلا أن هذه الهدية تحمل في طياتها هدراً اقتصادياً وبيئياً ملحوظاً، فالزهور المقطوفة تذبل غالباً خلال أيام قليلة، مما يجعل قيمتها مؤقتة، بينما يمكن تحويل نفس المبلغ إلى أثر دائم ينفع المهدى والمجتمع.
تُقدر قيمة تجارة الزهور المقطوفة عالمياً بنحو 35-50 مليار دولار سنوياً، وهي صناعة تستهلك كميات هائلة من المياه، وتعتمد على المبيدات الكيميائية، وتتسبب في انبعاثات كربونية كبيرة بسبب النقل الجوي من دول الإنتاج مثل كولومبيا وكينيا وهولندا إلى أسواق الاستهلاك.
بعد أسبوع واحد تقريباً، تتحول معظم هذه الزهور إلى نفايات، مما يزيد من التلوث ويهدر الموارد.
من الناحية الاجتماعية، يشعر المهدى بالسرور اللحظي، لكنه لا يحصل على فائدة مستدامة، وفي المقابل يمكن لمبلغ باقة ورد واحدة (50-200 ريال مثلاً) أن يطعم عائلة، أو يساهم في بناء بئر، أو يدعم تعليماً، أو يُوقف كصدقة جارية تدوم لسنوات.
هذا التحول يحل محل الزهور تبرعات خيرية، أو صدقات جارية، أو وقف، أو هدايا عملية مثل الطعام أو الشوكولاتة الفاخرة، أو التجارب المفيدة، وهو يتوافق مع القيم الإسلامية التي تشجع على الإحسان المستمر وعدم الإسراف، ويحقق توازناً بين التعبير العاطفي والفائدة الاجتماعية.
تعتمد الثقافة الجديدة على ثلاث ركائز رئيسية: التوعية، والتسهيل، والقدوة:
أولاً، التوعية والتثقيف: يبدأ التغيير بنشر الوعي بين الناس من خلال مقالات وكتب مصغرة توضح المقارنة بين التكلفة والتأثير، ويمكن استخدام وسوم مثل #هدية_دائمة أو #صدقة_جارية_بدل_ورد على وسائل التواصل الاجتماعي، مع مشاركة قصص نجاح حقيقية.
كما ينبغي تشجيع الخطباء والمؤثرين على مناقشة الموضوع في المساجد والمناسبات، مستندين إلى النصوص الدينية التي تمدح العطاء النافع.
ثانياً، تسهيل الخيارات البديلة: يجب أن تكون الهدايا الدائمة سهلة التنفيذ، فيُفضل تطوير منصات إلكترونية تتيح «إهداء تبرع» مع بطاقة إلكترونية أنيقة تحمل رسالة شخصية. يمكن إعداد حزم جاهزة تجمع بين عنصر مادي (مثل سلة طعام عضوي أو شوكولاته فاخرة) وشهادة تبرع أو وقف.
في الدعوات للأعراس أو المناسبات، يصبح خيار «تبرعات بدلاً من الزهور» هو الافتراضي.
ثالثاً، النماذج والقدوة: التغيير الحقيقي يبدأ من الأفراد، ففي المناسبات الشخصية يمكن إرسال هدية بديلة مع رسالة مثل: «اخترت لك صدقة جارية لأن أثرها يدوم مثل حبي لك»، وعلى المستوى المجتمعي يمكن لمبادرات تطوعية أن تشمل فرقاً متخصصة في تنسيق «هدايا دائمة»، ويمكن التعاون مع الجمعيات الخيرية والجهات الحكومية لإطلاق حملات وطنية.
من الأمثلة الناجحة في الواقع، أصبحت حملات «تبرع بدلاً من الزهور» (In Lieu of Flowers) شائعة جداً في الدول الغربية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا، خاصة في الجنازات والمناسبات الحزينة. تظهر هذه العبارة بانتظام في النعيات، وتدعمها منصات مثل ILOF.com وإرشادات إتيكيت إميلي بوست.
كما توجد منصات عالمية مثل «Changing The Present» التي تسمح بتحويل الهدايا إلى دعم لقضايا يختارها المهدى، حيث تعمل كـ«أمازون للجمعيات الخيرية» وتُرسل بطاقات شخصية.
وفي العالم العربي والإسلامي، تقدم جمعيات مثل Islamic Relief وZakat Foundation وغيرها خدمات إهداء الصدقات والصدقة الجارية مع رسائل فورية عبر التطبيقات، مما يتيح إهداء آبار أو أشجار أو مشاريع تعليمية باسم المهدى.
تغيير ثقافة إهداء الزهور ليس إلغاءً للجمال أو العواطف، بل تطويراً لها باتجاه الاستدامة والنفع المستمر، فعندما نحول الهدية من رمز زائل إلى أثر باقٍ نعزز قيم الإحسان والمسؤولية الاجتماعية، ونقلل من الهدر البيئي والاقتصادي.
ندعو إلى تبني هذه الثقافة في الحياة اليومية، وإنتاج دليل عملي شامل يحتوي على نماذج رسائل وحزم هدايا جاهزة، بهذا التحول البسيط، تصبح كل مناسبة فرصة لبناء خير دائم.