صحة الرجل

الفيبروميالجيا … جذوره نفسية وأهمية العلاج في التخفيف من الأعراض

إعداد الاختصاصي النفسي الإكلينكي: محمود عبد المقصود

الفيبروميالجيا (Fibromyalgia)  ( الألم الليفي العضلي ) هي متلازمة مزمنة تسبب ألماً واسع الانتشار في العضلات والمفاصل، إضافة إلى التعب ومشاكل النوم والذاكرة. ورغم أن السبب الدقيق لهذه الحالة غير معروف تماماً، إلا أن الأبحاث تشير إلى وجود ارتباط وثيق بين الفيبروميالجيا والصحة النفسية؛ حيث يلعب التوتر والقلق والصدمات النفسية دوراً أساسياً في ظهور الأعراض واستمرارها.

عوامل الخطورة

من العوامل التي تزيد خطر الإصابة بالفيبرومالجيا ما يلي:

  • جنسك. عادة ما تُصاب النساء بالفيبرومالجيا بنسبة أكثر من الرجال.
  • التاريخ العائلي المرضي. قد تكون أكثر عرضةً للإصابة بالألم الليفي العضلي ( بالفيبرومالجيا ) إذا سبق وأُصيب به أحد والديك أو إخوتك.
  • الاضطرابات الأخرى. قد تكون أكثر عرضة للإصابة بالألم الليفي العضلي الفيبرومالجيا  إذا كنت مصاباً بالفُصال العظمي أو التهاب المفاصل الروماتويدي أو الذئبة.

الأسباب

يعتقد العديد من الباحثين أن التحفيز المتكرر للأعصاب يتسبب في حدوث تغيرات في الدماغ والحبل النخاعي لدى الأشخاص المصابين بالألم الليفي العضلي ( الفيبرومالجيا ) . تشمل هذه التغيرات زيادة غير طبيعية في مستويات بعض المواد الكيميائية المسؤولة عن نقل الألم في الدماغ.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن مستقبلات الألم في الدماغ تُنشئ نوعاً من ذاكرة الألم وتصبح حساسة؛ ما يعني أنها يمكن أن تبالغ في رد الفعل تجاه الإشارات المؤلمة وغير المؤلمة.

يُحتمل وجود العديد من العوامل المؤدية إلى هذه التغييرات، بما في ذلك:

  • الجينات الوراثية. قد ينتشرُ الألم الليفي العضلي في أفراد العائلة الواحدة عادةً، فقد تكون هناك بعض الطفرات الجينية التي قد تجعلك أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب.
  • حالات العدوى. ثمة أمراض قد تؤدي إلى الإصابة بالالتهاب الليفي العضلي أو إلى تفاقم أعراضه.
  • الأحداث البدنية أو العاطفية. في بعض الأحيان، يمكن إثارة الألم الليفي العضلي نتيجة لإصابة جسدية، مثل التعرض لحادث سيارة. وقد يحفز الضغط النفسي الذي يستمر لفترة طويلة هذه الحالة أيضاً.

المضاعفات

يمكن أن يتسبب الألم والتعب وعادات النوم السيئة المرتبطة بالألم الليفي العضلي في إعاقة القدرة على أداء الوظائف المختلفة في المنزل أو العمل. ويمكن أن يؤدي الإحباط الناجم عن التعامل مع حالة مرضية يُساء فهمها في الغالب إلى إصابة الشخص بالاكتئاب والقلق على الصحة

 

العلاقة بين الفيبروميالجيا والصحة النفسية

تعتبر الفيبروميالجيا من الحالات التي يطلق عليها اسم “الاضطرابات الجسدية النفسية (Psychosomatic Disorders)”، حيث يكون للأسباب النفسية تأثير كبير على ظهور الأعراض الجسدية. وتشير الدراسات إلى أن المرضى الذين يعانون من الفيبروميالجيا غالباً ما يكون لديهم تاريخ من القلق، أو الاكتئاب، أو الصدمات العاطفية، مما يدل على وجود علاقة قوية بين العقل والجسد في هذه الحالة.

التوتر والقلق المزمن

يؤدي التعرض المستمر للضغوط النفسية إلى زيادة مستويات هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، مما يؤدي إلى استثارة الجهاز العصبي المركزي. وبمرور الوقت، تؤدي هذه الاستثارة المستمرة إلى حساسية مفرطة في الجهاز العصبي، مما يجعل الجسم يشعر بالألم بشكل مبالغ فيه حتى عند التعرض لمنبهات غير مؤلمة.

الصدمات النفسية والاضطرابات العاطفية

وجدت العديد من الدراسات أن نسبة كبيرة من مرضى الفيبروميالجيا تعرضوا لصدمات نفسية في مرحلة الطفولة أو خلال حياتهم، مثل فقدان شخص عزيز، أو التعرض للإيذاء العاطفي أو الجسدي. هذه الصدمات تؤدي إلى تغييرات في كيمياء الدماغ والجهاز العصبي، مما يسهم في نشوء الأعراض الجسدية المرتبطة بالمرض.

الاكتئاب واضطرابات النوم

الفيبروميالجيا والاكتئاب يرتبطان بعلاقة متبادلة؛ حيث يؤدي الألم المزمن إلى زيادة مشاعر الإحباط واليأس، بينما يزيد الاكتئاب من حساسية الألم. بالإضافة إلى ذلك، يعاني معظم مرضى الفيبروميالجيا من اضطرابات النوم، والتي تزيد من تفاقم الأعراض، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من الألم والتعب والإنهاك النفسي.

الجذور النفسية للفيبروميالجيا: لماذا يُصاب البعض بها؟

يعتقد بعض الباحثين أن الفيبروميالجيا قد تكون نتيجة لآليات دفاع نفسية غير واعية يستخدمها العقل لحماية الشخص من المشاعر السلبية غير المعالجة. عندما يواجه الشخص مشاعر قوية مثل الغضب، أو الحزن، أو الخوف، ويجد صعوبة في التعبير عنها، قد يعيد العقل توجيه هذه المشاعر إلى الجسم على شكل أعراض جسدية.
كما أن بعض النظريات النفسية، مثل نظرية “البرمجة اللغوية العصبية” (NLP)، تشير إلى أن المعتقدات العميقة والتجارب الماضية قد تبرمج العقل على إدراك الألم بشكل مستمر حتى بعد زوال السبب الجسدي.

 

كيف يمكن للعلاج النفسي أن يساعد في التخفيف من أعراض الفيبروميالجيا؟

رغم أن الفيبروميالجيا ليست مرضاً نفسياً بحتاً، إلا أن العلاج النفسي يمكن أن يكون فعالاً جداً في إدارة الأعراض وتقليل الألم المزمن. ومن العلاجات المستخدمة نذكر:

العلاج السلوكي المعرفي (CBT)

يساعد العلاج السلوكي المعرفي في تغيير أنماط التفكير السلبية المتعلقة بالألم والمرض، كما يساعد المريض على تطوير مهارات التأقلم مع الأعراض الجسدية والحد من التوتر والقلق.

تقنيات البرمجة اللغوية العصبية (NLP)

يمكن للبرمجة اللغوية العصبية أن تساعد في إعادة برمجة العقل للتعامل مع الألم بطريقة مختلفة، من خلال تغيير المعتقدات المرتبطة بالألم واستخدام تقنيات الاسترخاء والتصور الذهني.

التأمل وتمارين اليقظة الذهنية (Mindfulness)

تساعد تمارين التأمل واليقظة الذهنية على تقليل استجابة الجسم للتوتر، مما يقلل من تفاقم الأعراض ويعزز الشعور بالراحة النفسية.

العلاج النفسي العميق والتعامل مع الصدمات

في بعض الحالات، يمكن أن يساعد العلاج النفسي العميق، مثل العلاج التحليلي أو العلاج بالصدمات العاطفية (EMDR)، في معالجة الجذور العاطفية للمرض، مما يؤدي إلى تخفيف الأعراض الجسدية بشكل ملحوظ.

خاتمة

الفيبروميالجيا ليست مجرد حالة جسدية، بل هي مزيج معقد من العوامل الجسدية والنفسية التي تؤثر على صحة المريض. وبينما لا يوجد علاج نهائي للمرض حتى الآن، يمكن للعلاج النفسي أن يكون أداة قوية في مساعدة المرضى على فهم جذور مرضهم، والتعامل معه بطرق أكثر فعالية، وتحسين نوعية حياتهم. إن تعزيز الصحة النفسية، وتقليل التوتر، ومعالجة الصدمات القديمة، قد يكون المفتاح الحقيقي للتخفيف من الأعراض والعيش بحياة أكثر راحة وسعادة.

المراجع

فريق مايو كلينك

Oct 26, 2021

الأستاذ محمود محمد عبد المقصود /اختصاصي نفســــي إكلينيكي

يعمل في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية – مركز الشارقة للتوحد منذ 2007 وحتى الآن .

حاصل على ليسانس أداب – قسم علم النفس – جامعة القاهرة .

لديه خبرة 25 سنة في مجال علم النفس الإكلينيكي – التربوي للأشخاص من ذوي الإعاقة .

حاصل على العديد من الدبلومات في علم النفس الإكلينيكي وعلم النفس التربوي والتربية الخاصة من جامعة القاهرة وجامعة عين شمس والمؤسسات الدولية الأخرى .

– مرخص من مؤسسة WPS (western psychological services ) في الولايات المتحدة الامريكية – Torrance  لإدارة المقاييس التشخيصية باضطراب طيف التوحد.

-حضور العديد من الورش والدورات التدريبية في مجال التشخيص والتقييم والإرشاد الأسري والمناهج التربوية في العديد من المؤسسات المحلية والدولية .

– شارك في العديد من المؤتمرات الدولية والمحلية  والخاصة بمجال الإعاقة .

– قدم العديد من الورش والمحاضرات التدريبية في مجال التشخيص والتقييم وكذلك في مجال الإرشاد الأسري وذلك لجميع الفئات المستهدفة ( من المعلمين والاختصاصيين وأولياء الأمور ) .

– شارك في العديد من الفاعليات الدولية والمحلية ذات الصلة بمجال الإعاقة .

– لديه منشورات في المجلات العلمية المتخصصة حول الإعاقة وفقاً لأحدث الممارسات

زر الذهاب إلى الأعلى