صحة الرجل

حين يصبح المريض محور فريق كامل …

 الطب المرتكز على الشخص

بقلم: ليان غسان شحرور 

عندما يمرض الإنسان، لا يمرض جسده وحده، بل تتأثر حالته النفسية والاجتماعية، وتتأثر أسرته، ونمط حياته، وعلاقاته، وحتى نظرته إلى المستقبل. من هنا ينبع مفهوم الطب المرتكز على الشخص (Person-Centered Medicine)، الذي لا يرى المريض مجرد حالة سريرية، بل إنساناً يعيش داخل شبكة من العلاقات والدعم والتحديات.

لا يكتمل هذا النهج من دون الاعتراف بالدور الحيوي الذي تلعبه أسرة المريض (Family Support System) والمجتمع المحيط به في مسار الشفاء. فالصحة ليست قراراً فردياً معزولاً، بل حصيلة تفاعل معقّد بين العوامل الطبية والنفسية والاجتماعية. ولذلك يشبه هذا النهج التعامل مع المريض كما لو كان غريقاً طبياً، يحتاج إلى فريق متكامل يعمل بتناغم لإنقاذه، لا إلى طبيب واحد يقدّم وصفة دوائية وينصرف.

تلعب الأسرة دوراً محورياً في هذا الفريق؛ فهي الأقرب إلى المريض، والأقدر على ملاحظة التغيرات في حالته، ودعم التزامه بالعلاج، وتوفير بيئة نفسية آمنة تساعده على التعافي. كما أن إشراك الأسرة في اتخاذ القرار يعزّز الثقة، ويخفف القلق، ويجعل الخطة العلاجية أكثر واقعية وقابلية للتطبيق.

أما المجتمع المحلي (Community Engagement) من الجيران إلى المدارس والمؤسسات ودور العبادة — فيمكن أن يشكّل رافعة حقيقية للصحة، خصوصاً في حالات الأمراض المزمنة أو الإعاقات أو الاضطرابات النفسية. فالشعور بالانتماء يقلّل العزلة، ويحسّن الصحة النفسية، ويمنح المريض طاقة إضافية للاستمرار والمقاومة.

ويقوم الطب المرتكز على الشخص على تقييم جماعي للحالة (Multidisciplinary Assessment)، حيث يعمل الأطباء والممرضون والاختصاصيون النفسيون والاجتماعيون والمعالجون الفيزيائيون ضمن فريق واحد لتكوين صورة شاملة عن احتياجات المريض. وقد تتطلب بعض الحالات دعماً من اختصاصي الصحة النفسية (Mental Health Specialist) للتكيّف مع المرض، أو تدخلاً من الاختصاصي الاجتماعي (Social Worker) لمعالجة ظروف السكن والعمل والدخل، وهي عوامل لا تقلّ أهمية عن الدواء نفسه.

وقد أكدت دراسات وتجارب صحية في بلدان متعددة أن هذا النهج يحقق نتائج أفضل على مستوى جودة الرعاية، ورضا المرضى، والالتزام بالعلاج، ولا سيما في حالات الأمراض المزمنة والصحة النفسية ورعاية كبار السن. كما بات الطب المرتكز على الشخص جزءاً من السياسات الصحية المعتمدة في عدد متزايد من النظم الصحية حول العالم، وفي توصيات منظمات دولية تُعنى بجودة الرعاية وحقوق المرضى، ما يعكس تحوّله من فكرة نظرية إلى ممارسة واسعة الانتشار.

تكمن قوة هذا النهج في أنه يرى المريض إنساناً كاملًا (Whole-Person Approach)، لا تشخيصاً طبياً. وعندما تتكامل الجهود ، يتحوّل العلاج من إجراء طبي إلى رحلة إنسانية مشتركة، تُعيد للإنسان كرامته، وتمنحه فرصة حقيقية لاستعادة حياته.

زر الذهاب إلى الأعلى