صحة الرجل

هل الخبرة أهم عامل لنجاح القائد؟

تاريخياً، كانت الخبرة الواسعة في مجالات الأعمال عنصراً رئيساً في تطوير القادة وتقييم جاهزيتهم للقيادة، بيد أنَّ هذا النهج التقليدي، لم يعُد قادراً على إعداد قادة مؤهلين لقيادة القوى العاملة تجاه المستقبل. من بين المؤسسات التي تبنَّت هذا التحول مؤخراً شركة “جنرال إلكتريك” (GE)، التي أعلنت عن تخليها عن برنامجها التدويري القائم على الخبرة العملية، وهو برنامج كانت قد ابتكرته قبل ما يزيد عن قرن.

رحلة التطوير الشاقة (The Developmental Gauntlet)

كان برنامج التدقيق المؤسسي (Corporate Audit Staff) في شركة “جنرال إلكتريك” يضع القادة المستقبليين في مسار قاس يمتد لخمس سنوات، يتولون خلالها قيادة وحدات وأقسام مختلفة من الشركة في سلسلة من التنقلات السريعة.

كان القادة ينتقلون من مهمة إلى أخرى كل 18 شهراً، يتعلمون خلالها كل ما يمكنهم تعلمه، وإظهار أثر ملموس من خلال تحقيق أعلى قدر ممكن من الكفاءة التشغيلية.

تحوَّل برنامج التدقيق المؤسسي لاحقاً إلى نموذج يُحتذى به تبنَّته عدد من الشركات الأخرى معظم القرن العشرين، غير أنَّ ما لا يدركه كثير من الناس، هو أنَّ فقط 2% من المشاركين، اجتازوا البرنامج بنجاح، وهؤلاء هم من كانوا في نظرهم الأحق بقيادة قطاعات أكبر من الأعمال في المؤسسة.

أصبحت المتطلبات الأساسية لتطوير القادة اليوم أكثر صرامة، ومعدل تخرج لا يتجاوز 2% من القادة التنفيذيين المحتملين لم يعد كافٍ ومُجدٍ بالنسبة للرؤساء التنفيذيين المعنيين بتخطيط التعاقب الوظيفي. هناك عدة عوامل وراء ذلك، من أبرزها:

  • المخاطر الكبيرة التي قد تترتب على فشل خطة التعاقب القيادي.
  • القلق المتزايد من تداعيات تغيُّر القيادات التنفيذية.
  • ميل المؤسسات ميلاً متزايداً إلى البحث داخل صفوفها عن خلفاء للرئيس التنفيذي قبل اللجوء إلى المرشحين الخارجيين.

أصبح إعداد برامج تطوير قيادي فعالة في تنمية المهارات القيادية أولوية مستمرة في عالم الأعمال.

شاهد بالفيديو: 8 مهارات تواصل تميِّز القائد الناجح

 

كسر التقليد بحكمة

يُعد قرار شركة جنرال إلكتريك (GE) بالتخلي عن نهجها التقليدي خطوة حكيمة؛ إذ أظهرت علوم السلوك على مدى عقود أنَّ الاعتماد على النتائج وحدها في تقييم وتسريع إمكانات القادة، ليس دقيقاً.

كما أنَّ تحميل القادة أعباء تفوق قدرتهم والاحتراق الوظيفي الناتج عن هذه الحالة يؤديان إلى عواقب كارثية على الأفراد والمؤسسة بأكملها، وغالباً ما يشتكي القادة المشاركون في هذه البرامج من ضغوطات العمل والعجز عن التوفيق بين حياتهم المهنية والتزاماتهم الأسرية، وهي عوامل لا تبني أبداً قيادة متوازنة أو ناضجة.

تحدي بناء برامج قيادية مرنة وواقعية

إنَّ إنشاء برنامج تعليمي قيادي ديناميكي وفعال ليس بالأمر السهل، وتواجه أقسام الموارد البشرية، والتعلم، وتطوير المواهب صعوبة في تحقيق التوازن بين التخصص وتنوع الخبرات، وبين النضج والرؤية القيادية بوتيرة سريعة.

دفعَ هذا التحدي المؤسسات إلى إعادة التفكير في منهجيات التطوير داخل بيئة العمل، ومن أبرز نتائج هذا التحول تراجُع القيمة المتصورة للتعلم في العمل؛ إذ لم يعُد يُنظر إليه وسيلة كافية وحدها لإعداد القادة بالمستوى المطلوب من السرعة والعمق لمواكبة نمو الأعمال.

يتطلب اليوم تطوير القادة ترسيخ “عقلية النمو والتطور المستمر”، وليس مجرد تدريبهم على مهارات الإدارة، فالعالم الذي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم يحتاج إلى قادة قادرين على التعلم والتأمل والتكيف بقدر ما يحتاج إلى من يدير ويقرر.

نموذج جديد لتطوير القادة

ثمة دعم متزايد لقرار قادة شركة “جنرال إلكتريك” بإنهاء برنامج التدقيق المؤسسي وإعادة النظر في منهجية تطوير القيادات، فأساليب التدريب القاسية لا تضمن بالضرورة بناء قائد حكيم وناضج.

ينصبُّ الاهتمام اليوم على تحقيق توازن حقيقي في تنمية القادة المستقبليين، لا مجرد اختبار قدرتهم على التحمل أو سرعة أدائهم. كما قال “بوب تويدي” (Bob Tweedie)، مدير القيادة والتعلم في شركة “ريفانتاج كوربوريت سيرفيسيز” (Revantage Corporate Services) التابعة لمجموعة “بلاك ستون” (Blackstone): “ندرك أنَّ التعلم في العمل هام، لكن في بيئة اليوم المتغيرة بسرعة، يجب أن توفر برامج تطوير القادة فرصاً أكثر تنوعاً لتُحدث تغييرات حقيقية في قياداتنا. نحن بحاجة إلى المزيج المناسب من التعرض لوجهات النظر المختلفة، وفرص للتأمل العميق، لتحدي افتراضات القادة ومساعدتهم على فهم النظام المتغير باستمرار”.

القيادة المتوازنة

إذا لم تُصمَّم برامج تطوير القادة على أسس الشمولية والاستدامة والتفكر التأملي، فإنَّها تُنتِج قادة غير مهيَّئين للتعامل مع التحديات الجديدة التي سيواجهونها، أو أسوأ من ذلك، قادة مفرطي التركيز على مصالحهم الشخصية في سبيل تحقيق النتائج.

لا يتحقق تدريب القادة على العمل الجماعي وبناء التوافق من خلال إخضاعهم لاختبارات قاسية للقدرة على التحمل، فصحيح أنَّ الضغط النفسي المعتدل، يمكن أن يدعم التعلم، لكنَّه سرعان ما يتحول إلى عبء يقوِّض الفائدة المرجوة ويغرس دون قصد فكرة مفادها أنَّ النجاح، يُبرر استخدام أية وسيلة ممكنة.

الوجه الخفي لبرامج التناوب السريعة

من نتائج برامج التناوب السريعة أنَّها غالباً ما تُنتج قادة على مستوى الإدارة العليا (C-level) يظهرون سلوكات تنافسية واندفاعية بدل التعاون وتطبيق مبادئ الشمولية، فهؤلاء القادة الذين لم يتعلموا كيف يوجهون الآخرين، أو يعطون إحساساً بالهدف الجماعي، أو يشجعون العمل بروح الفريق، يضرون في الغالب بالثقافة التنظيمية، ويقوِّضون مستوى الأداء العام للأعمال.

كما أنَّ هذه البرامج قد تشجع –ضمنياً– على اتخاذ قرارات قصيرة الأمد تُظهر نجاح القائد أمام الإدارة، لكنَّها تضعف قدرته على التفكير الاستراتيجي العميق الذي تحتاج إليه المؤسسة في الأمد البعيد.

تحقق برامج تطوير القادة المصمَّمة بعناية ودقة، والتي تعزز عقلية التعلم المستمر وتترجم نتائجها مباشرة إلى سياق العمل أثراً كبيراً في إعداد قادة جاهزين اليوم للمستقبل.

يبقى السؤال المحوري: كيف تنمي المؤسسات تركيز القادة وقدراتهم، دون أن تُعرِّضهم للإرهاق والاحتراق المهني؟

يكمن الجواب في التوازن الدقيق الذي تُقيمه برامج التطوير الناجحة بين دورات التعلم المختلفة: بين النظرية والتطبيق، وبين الإنجاز والتأمل، وبين الأداء الفردي والتأثير الجماعي.

في الختام

أصبح تطوير قادة متوازنين قادرين على التعلم المستمر والاستفادة من خبرات الماضي مع تبنِّي ابتكارات المستقبل الهدف الجوهري لبرامج القيادة الحديثة، ويقوم هذا التوازن على مجموعة من النقاط المحورية:

  • الموازنة بين التركيز على النتائج والتركيز على العلاقات.
  • الجمع بين الثقة بالنفس والقدرة على رؤية التحديات من منظور الآخرين.
  • بناء معرفة متينة لكن مرنة بما يكفي للتكيف مع الابتكار والتغيير.

لا تصقل هذه البرامج المهارات فقط؛ بل تبني منظومة حوافز ذكية تشجع القادة على المجازفة المحسوبة والابتكار بشجاعة، وإشراك الآخرين في تفكير جماعي متكامل يقوم على هدف مشترك ومعنى أعمق للعمل، فإذا أُنجزت هذه البرامج على النحو الصحيح، فستكون المرونة بدلاً من الخوف من الفشل هي السمة المميزة للقيادة في القرن القادم.

زر الذهاب إلى الأعلى