من التحدي إلى العالمية – مجلة المنال

رحلة عبد الله هلال مع الدراجات الهوائية
نحو الأولمبياد الخاص في تشيلي
حوار صحفي مع هلال عبد الله الشامسي
ولي أمر اللاعب عبد الله هلال
أجرى الحوار وحرره حازم ضاحي شحادة
يسرّنا أن نرحّب في مجلة المنال الإلكترونية بالسيد هلال عبد الله الشامسي، ولي أمر اللاعب عبد الله هلال، الذي شكّلت تجربته مع ابنه نموذجاً ملهماً في الدعم الأسري والتمكين والإصرار على تحويل التحديات إلى إنجازات.
نرحّب به اليوم لنستعرض معه رحلة إنسانية ورياضية مميزة، كان فيها الأب شريكاً أساسياً في صناعة قصة نجاح ملهمة امتدت من الحياة اليومية إلى ساحات المنافسات المحلية والدولية.
س: بدايةً، كيف تتذكرون لحظة ولادة عبد الله وبدايات الرحلة؟
ج: لحظة ولادة عبد الله كانت لحظة مختلفة تماماً في حياتنا، عندما علمنا أنه من الأشخاص ذوي متلازمة داون، لم تكن الصدمة هي الشعور الوحيد، بل كان هناك مزيج من القلق والتساؤلات حول المستقبل. لكن هذا الشعور لم يستمر طويلاً، لأن قرارنا كعائلة كان واضحاً منذ البداية: عبد الله ليس حالة خاصة بقدر ما هو إنسان له قدراته، ويحتاج فقط إلى بيئة تؤمن به وتدعمه.
منذ الأيام الأولى، بدأنا رحلة طويلة من التعلم معه وليس فقط عنه، كنا نتعلم كيف نفهم احتياجاته، وكيف نساعده على تطوير مهاراته خطوة بخطوة، وكيف نحتفل بكل إنجاز صغير يحققه، لأنه كان بالنسبة لنا إنجازاً كبيراً.
س: كيف تعاملتم كأسرة مع التحديات في سنواته الأولى؟
ج: التحديات كانت حاضرة بكل تأكيد، سواء في التواصل أو التعلم أو المهارات الحياتية اليومية. لكننا اخترنا أن نكون قريبين منه دائماً. لم نسمح أن يعيش في عزلة أو يشعر بأنه مختلف عن الآخرين.
كنا ندمجه في كل تفاصيل الحياة اليومية: في الزيارات العائلية، في الخروج إلى المولات، إلى الحدائق، وفي المناسبات الاجتماعية. وجوده المستمر في هذه البيئات ساعده على اكتساب الثقة، وعلى فهم العالم من حوله بطريقة طبيعية جداً.
والدته كانت جزءاً أساسياً من هذه الرحلة، وكذلك إخوته الذين قدموا له دعماً عاطفياً كبيراً، جعل البيت بيئة آمنة ومحفزة في الوقت نفسه.
س: متى بدأتم تلاحظون ملامح التميز في شخصية عبد الله؟
ج: مع مرور السنوات، بدأنا نلاحظ أنه يمتلك طاقة كبيرة وحباً للحركة. كان يحب الأنشطة التي تتطلب مجهوداً بدنياً، وهذا قادنا إلى إدخاله في رياضات مختلفة مثل السباحة وركوب الخيل.
لكن الأهم من ذلك كان رغبته الدائمة في التجربة وعدم الخوف من المحاولة. هذه الصفة كانت مفتاحاً أساسياً في تطوره، لأنها جعلته مستعداً دائماً لاكتشاف مهارات جديدة.
س: كيف بدأت رحلة عبد الله مع الدراجات الهوائية؟
ج: الدراجات الهوائية لم تكن مجرد نشاط رياضي، بل كانت نقطة تحول حقيقية في حياته، عندما حصل على دراجته الأولى، حدث تغيير واضح في شخصيته وسلوكه، بدأنا نراه أكثر سعادة، أكثر تركيزاً، وأكثر ارتباطاً بهدف واضح، لم يعد ركوب الدراجة مجرد لعب، بل أصبح تدريباً يومياً، وشغفاً يتطور باستمرار.
في البداية كان يقطع مسافات قصيرة، لكن مع الوقت أصبح يقطع 5 كيلومترات، ثم 10، ثم 15، حتى وصل إلى 20 كيلومتراً بمفرده. هذا التطور لم يكن جسدياً فقط، بل كان نفسياً أيضاً، لأنه شعر أنه قادر على الإنجاز والاستمرار.
س: ما الدور الذي لعبه مجتمع الدراجات الهوائية في تطويره؟
ج: كان دوراً مهماً جداً، مجتمع الدراجات استقبله بروح إيجابية، وهذا أمر لا يُنسى. لم ينظروا إليه كحالة خاصة، بل كرياضي له شغف وقدرة، هذا القبول الاجتماعي منحه دفعة نفسية كبيرة، أصبح يشعر أنه جزء من مجموعة، وأنه ينتمي إلى عالم رياضي حقيقي، وهذا عزز ثقته بنفسه بشكل كبير.
س: كيف كانت محطة طواف أبوظبي 2023 بالنسبة له؟
ج: تلك اللحظة كانت من أكثر اللحظات تأثيراً في حياتنا. في عام 2023، وعلى هامش طواف أبوظبي العالمي، شارك عبد الله في سباق ضد الساعة بالتنسيق مع مجلس أبوظبي الرياضي، في البداية، لم يكن البعض يعرف أنه من الأشخاص ذوي متلازمة داون، وعندما تم توضيح ذلك، كانت ردة الفعل مميزة جداً، بدلاً من التردد، كان هناك دعم أكبر وتشجيع أقوى، الجمهور، المسؤولون، والمنظمون تعاملوا معه بكل احترام، وكأنهم يقولون له: “مكانك هنا بيننا”. هذه الرسالة كانت أهم من أي نتيجة أو ترتيب.
س: كيف انعكست هذه المشاركة على شخصيته؟
ج: بعد طواف أبوظبي، تغير شيء داخلي في عبد الله، أصبح أكثر ثقة بنفسه، وأكثر إصراراً على التدريب. شعر أنه قادر على المشاركة في بطولات حقيقية، وليس فقط التدريب، بدأ ينظر لنفسه كرياضي محترف، وهذا التحول الذهني هو الأهم في مسيرته.
س: متى انضم إلى فريق الوثبة للدراجات الهوائية؟
ج: بعد تلك المرحلة، عام 2023، انضم عبد الله إلى فريق الوثبة للدراجات الهوائية، وبدأ يرتدي زي الفريق ويشارك في التدريبات والمسابقات مع زملائه، هذا الانضمام أعطاه شعوراً بالهوية الرياضية، والانتماء إلى فريق، وهذا شيء بالغ الأهمية لأي رياضي، خاصة في بداية مسيرته.
س: كيف تغيرت تفاصيل حياته اليومية؟
ج: التغيير كان واضحاً جداً، أصبح أكثر التزاماً، يهتم بملابسه، بدراجته، بخوذته، وبمواعيد تدريباته، حتى في حياته اليومية أصبح أكثر تنظيماً ومسؤولية، الأجمل أنه بدأ يعتني بنفسه بشكل أكبر، ويهتم بمظهره، ويشعر بالفخر بنفسه، هذه التفاصيل الصغيرة تعكس تحولاً كبيراً في الشخصية.
س: ماذا عن حضوره على وسائل التواصل الاجتماعي؟
ج: أنشأنا له حساباً على إنستغرام ليشارك رحلته، ولم نتوقع هذا التفاعل الكبير، الناس بدأت تتابعه وتشجعه وتدعمه، وهذا أعطاه دافعاً إضافياً، لكننا كنا حريصين دائماً على أن تبقى الرسالة الأساسية هي الإلهام وليس الشهرة، وأن ما يقدمه هو قصة كفاح وإصرار وليس مجرد محتوى.
س: كيف أثرت هذه الرحلة عليكم كأب وأسرة؟
ج: الحقيقة أن عبد الله لم يتغير وحده، نحن أيضاً تغيرنا معه. تعلمنا الصبر بشكل أعمق، وتعلمنا أن النجاح ليس خطاً مستقيماً، بل رحلة مليئة بالتفاصيل، أصبحنا أكثر وعياً، وأكثر تقديراً للإنجازات الصغيرة، وأكثر إيماناً بأن الدعم الأسري يمكن أن يصنع فرقاً حقيقياً في حياة الإنسان.
س: حدثنا عن فريق همم أبوظبي للدراجات الهوائية؟
ج: قبل عامين تم تأسيس فريق همم أبوظبي للدراجات الهوائية التابع لنادي أبوظبي للدراجات، وكان عبد الله من ضمن أفراده. يشارك اليوم في بطولات محلية، ويحقق مراكز متقدمة، والأهم أنه أصبح يعيش أجواء المنافسة الرياضية الحقيقية، وهذا بحد ذاته إنجاز كبير.
س: ما أثر الدعم الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة؟
ج: الدعم في دولة الإمارات العربية المتحدة لأصحاب الهمم كبير وملموس. هناك رؤية واضحة لتمكينهم ودمجهم في المجتمع، سواء في التعليم أو الرياضة أو الحياة العامة، هذا الدعم لم يكن مجرد مبادرات، بل ثقافة مجتمع كاملة تؤمن بأن الجميع قادر على النجاح إذا أُتيحت له الفرصة.
س: هل هناك موقف لا يزال محفوراً في ذاكرتكم؟
ج: نعم، لقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، كان من أكثر اللحظات تأثيراً في حياتنا. الكلمات التي سمعناها هناك لم تكن مجرد تشجيع، بل كانت رسالة قوة ودعم ستبقى معنا دائماً، وأثرت في عبد الله بشكل كبير جداً.
س: ماذا عن عقد الرعاية مع شركة “مدن العقارية”؟
ج: توقيع عقد الرعاية مع شركة مدن العقارية كان نقطة تحول مهمة. هذا الدعم لم يكن مادياً فقط، بل كان اعترافاً بجهد عبد الله وإمكاناته، هذه الخطوة أعطته دافعاً أكبر للاستمرار، وشعوراً بأنه يسير في الطريق الصحيح.
س: كيف تقيّمون مرحلة عبد الله الحالية؟
ج: نحن اليوم أمام شاب مختلف تماماً عن السنوات الأولى. شاب لديه هدف، ويعمل يومياً من أجل تحقيقه، ويؤمن بنفسه وبقدراته. الدراجات الهوائية أصبحت جزءاً من هويته، وليست مجرد هواية.
س: كيف يستعد حالياً للمشاركة المقبلة؟
ج: عبد الله اليوم يعيش حالة استعداد وتركيز كبيرين. يتدرب بشكل يومي، ويهتم بكل تفاصيل لياقته وتجهيزاته، لأنه يستعد لمرحلة مهمة وهي مشاركته في الأولمبياد الخاص القادم في تشيلي.
يتحدث كثيراً عن هذه المشاركة، ويعتبرها فرصة لتمثيل دولة الإمارات العربية المتحدة ورفع علمها في محفل عالمي.
رحلة عبد الله مع الدراجات الهوائية ليست قصة رياضية فقط، بل قصة حياة كاملة بدأت من تحدٍ، وتحولت إلى إنجاز، وإلى شغف لا يتوقف عن النمو.
اليوم، يقف عبد الله على أعتاب مرحلة جديدة، وهو أكثر نضجاً وإصراراً، وأكثر حباً لهذه الرياضة التي غيرت حياته بالكامل. من دراجة صغيرة بدأت كهواية، إلى مسافات طويلة، إلى بطولات محلية وعالمية، وصولاً إلى الاستعداد للمشاركة في الأولمبياد الخاص في تشيلي.
هو لا يرى الدراجات مجرد رياضة، بل طريقاً للحياة، ومساحة لإثبات الذات، ورسالة تقول إن الإرادة قادرة دائماً على تجاوز كل الحدود. ومع كل تدريب جديد، وكل سباق قادم، يقترب أكثر من حلمه، مدفوعاً بشغف لا ينطفئ، وعزيمة لا تهدأ، ودعم أسرة تؤمن به حتى النهاية.
وجاءت مشاركة عبد الله في الألعاب الوطنية الإماراتية الثانية، التي نظمها الأولمبياد الخاص الإماراتي خلال الفترة من 6 إلى 10 يونيو 2026 في إمارة أبوظبي، لتجسد مرحلة مهمة في مسيرته الرياضية، وتعكس في الوقت نفسه ثمرة التعاون المستمر مع الجهات الرياضية والمجتمعية الداعمة لأصحاب الهمم.
خاتمة
منذ بداية رحلة عبد الله، كان والده هلال الشامسي الركيزة الأساسية في بناء ثقته بنفسه وصقل مهاراته، حيث لم يكتفِ بالدعم المعنوي فقط، بل حرص على أن يكون شريكاً فعلياً في تفاصيل حياته اليومية وتطوره. كان يرافقه في مختلف الأنشطة والمناسبات، ويعمل على دمجه في المجتمع بشكل طبيعي، مما ساعد عبد الله على اكتساب الثقة وتطوير شخصيته تدريجياً دون شعور بالعزلة أو الاختلاف.
كما لعب الأب دوراً محورياً في اكتشاف شغف عبد الله بالدراجات الهوائية، فكان داعماً له في التدريب والتجهيز والمشاركة في البطولات، ومرافقاً له في التمارين والمسابقات. هذا الحضور المستمر والدعم المتواصل لم يعززا فقط قدرات عبد الله الرياضية، بل انعكسا أيضاً على شخصيته، فجعلاه أكثر استقلالية ومسؤولية وإصراراً على تحقيق النجاح، ليصبح نموذجاً ملهمًا في الإرادة والتحدي.
كما لعبت الأم دوراً محورياً لا يقل أهمية عن دور الأب في رحلة عبد الله، حيث كانت السند العاطفي الدائم له منذ الطفولة. حرصت على منحه الحب والاحتواء في كل المراحل، وساهمت في بناء شعوره بالأمان والثقة بالنفس داخل الأسرة وخارجها. كما كانت حاضرة في تفاصيل يومه، تتابع احتياجاته وتدعمه نفسياً، مما ساعده على تجاوز التحديات بثبات وطمأنينة.
وبفضل هذا الدعم المتواصل، شكلت الأم عاملاً أساسياً في تعزيز استقراره النفسي وتقبله لذاته، الأمر الذي انعكس إيجاباً على تطوره الاجتماعي والسلوكي. فوجودها إلى جانبه منحته القوة الداخلية لمواصلة رحلته، وساهم في ترسيخ إيمانه بقدراته، ليكمل مسيرته بثقة أكبر نحو الإنجاز والنجاح.
في ختام هذه الرحلة الملهمة، تتجلى قصة عبد الله كدليل حيّ على أن الإصرار والدعم الأسري قادران على صناعة الفارق وتحويل التحديات إلى إنجازات حقيقية. فقد استطاع، بفضل إيمانه بنفسه وبمساندة أسرته، أن يشق طريقه بثبات في عالم الرياضة، وأن يثبت أن الشغف حين يُدعَم يصبح قوة لا تُقهر.
واليوم، يقف عبد الله على أعتاب مرحلة جديدة من مسيرته، وهو يستعد لخوض تجربة الأولمبياد الخاص في تشيلي بكل حماس وطموح، حاملاً معه أحلامه وإصراره، وممثلاً لوطنه بكل فخر. إنها ليست نهاية قصة، بل بداية فصل جديد من رحلة عنوانها التحدي والإنجاز بلا حدود.