صحة الرجل

صوت الصمت المعدني – مجلة المنال

بقلم سعيد رمضان علي ، جمهورية مصر العربية

saidramster@gmail.com

في فيلم Sound of Metal  (صوت المعدن) لا يبدأ فقدان السمع بوصفه أزمة طبية، بل كخلل يصيب العلاقة بين الإنسان والعالم.

إن روبن ستون (ريز أحمد) عازف درامز في فرقة ميتال، يبدأ فقدان السمع ومعه يفقد تدريجياً العالم الذي يعرفه، لا يحدث الفقد دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء داخل تفاصيل الحياة اليومية، حتى يصبح العالم نفسه غير قابل للاستماع. ليست المشكلة أن الصوت يختفي، بل أن العلاقة بين الإنسان والعالم تتغير جذرياً، وكأن البنية التي كان يبني عليها فهمه للواقع قد بدأت في الانهيار دون إنذار واضح.

 منذ المشاهد الأولى، يتعامل المخرج داريُس ماردِر مع الصوت لا كعنصر تقني داخل الفيلم، بل كمساحة وجود كاملة، وحين تبدأ هذه المساحة في الانهيار، لا يفقد البطل قدرته على السمع فقط، بل يفقد أيضاً إيقاع حياته القديمة.

الانهيارات

يعتمد الفيلم بصورة أساسية على تصميمه الصوتي، إذ لا يستخدم الصمت باعتباره غياباً للصوت، بل باعتباره حالة إدراكية. أحياناً يختفي الصوت تماماً، وأحياناً يتحوّل إلى ذبذبات معدنية مشوشة، كأن العالم نفسه لم يعد قادراً على الوصول إلى الشخصية بصورة طبيعية. وهنا تتجاوز التجربة حدود التعاطف التقليدي مع شخص فقد سمعه، ليضع الفيلم المشاهد داخل اضطراب الإدراك ذاته.

يتجلى ذلك بوضوح في مشهد انفجار روبن داخل المقطورة. المكان الضيق، وحركة الكاميرا المرتبكة، والفوضى البصرية الناتجة عن تكسير الأشياء، لا تعكس غضباً عابراً بقدر ما تكشف عن انهيار عالم كامل كان يعيش داخله بدأ يختفي فعلياً. المقطورة هنا ليست مجرد مساحة للسكن، بل امتداد لحياته السابقة، الموسيقى، العلاقة العاطفية، العمل، والإحساس بالاستقرار، والانفجار والتكسير هما فقدان السيطرة ممزوجة بصدمة إدراكية وعجز عن التكيف، إنه انفجار صوتي داخلي مع فقدان الصوت الخارجي، والاستمرار داخل رموز حياته السابقة  أصبح مستحيلاً.

وفي مشهد آخر، يقف روبن مراقباً  شريكته العاطفية “لو” (أوليفيا كوك) أثناء حديثها الهاتفي مع شخص لا يستطيع سماعه. لا يعتمد المشهد على الحوار، بل على نظراته المحدقة والمتوترة، حيث تتحول الكاميرا إلى أداة لعزل الشخصية داخل المشهد نفسه. إنه حاضر جسدياً، لكنه مستبعد من المعنى، يرى القرارات تُتخذ أمامه دون أن يكون قادراً على المشاركة فيها. هنا يصبح فقدان السمع فقداناً للمشاركة الاجتماعية قبل أن يكون فقداناً للصوت.

يظهر الانهيار النفسي الثاني بوضوح بعد رحيل  “لو” في واحد من أكثر مشاهد الفيلم كثافة على المستوى البصري. يقف روبن في ميدان مفتوح وواسع، لكن اتساع المكان لا يمنحه إحساساً بالحرية، بل بالعكس؛ تتحول المساحة الواسعة إلى فراغ ساحق وخانق. تتحرك الكاميرا حوله باستمرار وبشكل غير متوازن، في حركة مرتبكة تعكس فقدانه المفاجئ للتوازن الداخلي، وكأن العالم يدور بينما يفقد هو مركزه تدريجياً.

المشهد هنا لا يصور الوحدة بوصفها غياب شخص فقط، بل بوصفها انهياراً للإحساس بالاستقرار نفسه. كانت “لو” آخر رابط يربطه بحياته السابقة: الموسيقى، والعمل، والإيقاع الذي اعتاد العيش داخله. وحين تختفي، يبدو كأن الفيلم يسحب منه آخر نقطة ثبات، فيتحول الميدان المفتوح إلى ما يشبه السجن النفسي، حيث يصبح الاتساع نفسه شكلًا من أشكال الاختناق.

مجتمع الأشخاص الصم

في مجتمع الأشخاص الصم البعيد عن المدينة والذي ينضم إليه روبن ، نلاحظ مساحات مفتوحة خضراء ، وهدوءاً بصرياً وحركة جسدية واضحة وتواصلاً يعتمد على الرؤية والاهتزاز، لكن الفيلم لا يقدم فضاء مجتمع الأشخاص الصم كعزلة جغرافية عن المدينة، بل كفضاء إدراكي بديل لإعادة تنظيم العلاقة مع الصوت نفسه، بمعنى  أدق تنظيم العلاقة مع العالم، حيث يصبح التواصل قائماً على الرؤية وحركات الجسد بدل الصوت، ويتحول الهدوء إلى شرط  لفهم الحركة لا إلى رمز للانفصال.

 التحولات

لا يقدّم الفيلم مجتمع الأشخاص الصم  باعتباره ملاذًا مثالياً، بل كمنظومة إدراك مختلفة بالكامل، وفيه يبدأ ببطءٍ التحول من عالم فقده إلى  عالم جديد يبدأ فيه أولى خطواته، لكن التحول الأهم  يأتي في مشهد “الزحليقة” مع الطفل الأصم. للمرة الأولى، يستخدم روبن الإيقاع لا ليستعيد حياته القديمة، بل ليخلق وسيلة تواصل جديدة. الضربات التي يوجهها بيده على المعدن تنتقل عبر الجسد والاهتزاز، فيضع الطفل أذنه على “الزحليقة” ليستقبل الإيقاع لا عبر السمع التقليدي، بل عبر انتقال الذبذبات خلال المادة نفسها. هنا يعيد الفيلم تعريف الموسيقى: ليست صوتاً فقط، بل إحساساً جسدياً مشتركاً.

بعد هذا المشهد مباشرة، تتغير الصورة البصرية للفيلم. تتسع الحديقة، يركض الأطفال، وتنفتح السماء بعد تباعد الغيوم، وكأن الكاميرا نفسها بدأت تتنفس. الأطفال هنا ليسوا مجرد شخصيات ثانوية، بل رمز لحالة من البراءة الخالية من تعقيدات عالمه السابق الذي كان روبن متمسكاً به. داخل اللعب الجماعي، يبدو وكأنه يقترب للمرة الأولى من التصالح مع إدراك مختلف للعالم.

غير أن الفيلم يرفض منح بطله نهاية مريحة. بعد أن يبيع معداته الموسيقية وشاحنته ليجري العملية، يعود مرة أخرى إلى المنطقة الرمادية بين العالمين. مدير مجتمع الصم “جو” الذي جسّده بول راسي لا يطرده بدافع القسوة، بل لأنه يرى أن روبن ما يزال يعتبر الصمم مشكلة يجب إصلاحها، لا واقعاً يمكن التعايش معه. وهكذا يفقد انتماءه إلى المجتمع الجديد، في الوقت الذي يكتشف فيه أيضاً أن حياته القديمة لم تعد موجودة بالصورة نفسها.

خاتمة

يبلغ الفيلم ذروته الهادئة في المشهد الأخير مع “لو”. بعد الأغنية التي تحمل دلالات الفقد والتحول معاً، يحاول روبن استعادة علاقتهما السابقة، لكن صمتها وعدم اندفاعها العاطفي يكشفان له أن العودة لم تعد ممكنة. لا يحدث رفض مباشر، بل إدراك صامت بأن كلًا منهما أصبح يعيش داخل عالم مختلف.

لهذا تأتي النهاية أمام الكنيسة شديدة البساطة وشديدة القسوة في الوقت نفسه. يجلس روبن وحيدًا  في الميدان، بينما يلعب الأطفال في الخارج، ثم يخلع أجهزة السمع ببطء. لا يبدو المشهد استسلاماً ولا انتصاراً، بل توقفاً أخيراً عن مطاردة نسخة مشوهة من عالمه السابق. للمرة الأولى، لا يحاول الهرب من الصمت أو إصلاحه، بل ينصت إليه كما هو.

وهكذا لا ينتهي صوت المعدن  كفيلم عن فقدان السمع، بل كفيلم عن الإنسان حين يجد نفسه معلقاً بين عالمين: عالم فقده، وآخر لم ينجح تماماً في الانتماء إليه.

زر الذهاب إلى الأعلى