بين عالمين لا يلتقيان ….. قراءة في فيلم CODA

بقلم سعيد رمضان علي ، جمهورية مصر العربية
في فيلم CODA للمخرجة سيان هيدر لا تبدو الأزمة الحقيقية في كون روبي روسي (إيميليا جونز)
الابنة السامعة الوحيدة في عائلة صماء، بل في أنها تعيش منذ البداية معلقة بين عالمين لا ينتميان إلى الإيقاع نفسه. فهي تتحرك باستمرار بين بيت يقوم على لغة الإشارة والصمت، ومجتمع خارجي بُني بالكامل على السمع والصوت، دون أن تشعر بانتماء كامل لأي منهما.
الانقسام الهادئ
منذ المشاهد الأولى، يضع الفيلم روبي داخل هذا الانقسام الهادئ. فهي ليست ابنة عادية داخل العائلة، بل أذنها ولسانها أمام العالم الخارجي، المترجمة التي تنقل الكلام، والممثلة التي تتحدث باسم الجميع. ولهذا تصبح علاقتها بالصوت أكثر تعقيدًا من مجرد قدرة بيولوجية على السمع؛ فالصوت بالنسبة إليها مسؤولية وهوية ومساحة عبور بين عالمين.
لكن الفيلم لا يتوقف عند فكرة “الاختلاف”، بل يطرح سؤالاًُ أكثر دقة وقسوة:
كيف يعيش الأشخاص الصم داخل مجتمع صُمّم أصلًا للسامعين؟
تظهر هذه الفكرة بوضوح في المشهد الذي يناقش فيه الصياد والد روبي فرانك روسي (تروي كوتسر) قرار الحكومة تعيين مراقبين على مراكب الصيد مقابل مبلغ مالي كبير. حين يقول الأب إن المبلغ يفوق أرباحهم اليومية، ترد عليه ابنته بعصبية: “قل لهم أنت”. تبدو الجملة عادية في ظاهرها، لكنها تتحول فجأة إلى لحظة قاسية من الانكشاف الداخلي. فالأب يعرف، وابنته تعرف، أن مخاطبة العالم الخارجي لا تتم بالنسبة له بصورة مباشرة. لذلك تأتي نظرته الصامتة الطويلة أكثر إيلاماً من أي حوار؛ ليست نظرة غضب، بل إحساس داخلي بالمهانة داخل مجتمع لا يستطيع دخوله دون وسيط.
ويمتد هذا الشعور إلى شقيقها الأكبر ليو ( دانيال دورانت) ولكن بصورة مختلفة. ففي مشهد التفاوض على بيع السمك، يحاول ليو إدارة النقاش بنفسه وفرض حضوره كرجل يعمل ويعرف قيمة ما يبيعه، قبل أن تتدخل روبي في المفاوضة لتحسين السعر. ورغم أن تدخلها جاء بدافع المساعدة، فإن غضب ليو يكشف شيئًا أعمق من مجرد خلاف عائلي؛ فهو يريد أن يتحدث باسم نفسه، وأن يكون صاحب القرار داخل عمله، لا مجرد شخص يحتاج دائماً إلى من يمثله أمام المجتمع السمعي. هنا لا يصبح الصراع متعلقاً باللغة فقط، بل بالاستقلال والكرامة والحق في امتلاك الصوت الاجتماعي حتى داخل الصمت.
ولا يقتصر أثر هذا العالم على الأب والأخ، بل يمتد إلى روبي نفسها. ففي المدرسة لا يرى الآخرون تعبها اليومي بين مركب الصيد والدراسة، بل يختزلونها في “رائحة السمك” العالقة بثيابها. تتحول الرائحة هنا إلى علامة اجتماعية تكشف اختلاف عالمها عن عالم الآخرين. وكما يشعر الأب والأخ بالعجز داخل عالم مختلف، تعيش الابنة بدورها شكلًا آخر من العزلة، حيث تحمل آثار عالم عائلتها معها أينما ذهبت.
ويكشف الفيلم بذكاء عن هذا الانقسام حتى داخل البيت نفسه. ففي أحد المشاهد تحاول روبي الدراسة، لكنها تنزعج من الضجيج المرتفع لعائلتها، فتطلب منهم التوقف كي تستطيع التركيز. المفارقة هنا أن العائلة الصماء لا تدرك أصلًا الضوضاء التي تزعجها. للمرة الأولى تبدو روبي غريبة داخل بيتها، إذ يصبح عالم السامعين الذي بدأت تنتمي إليه سبباً في شعورها بالابتعاد عن أكثر الأماكن ألفة بالنسبة لها.
وترتبط هذه اللحظة مباشرة بمشهد هروبها من اختبار الغناء. فعندما تعترف لاحقاً بأنها خافت من الفشل، يبدو خوفها أعمق من مجرد رهبة الأداء الفني. فالغناء بالنسبة لها ليس هواية فقط، بل دخول كامل إلى عالم يقوم على السمع والإيقاع والطبقات الصوتية، عالم لا تستطيع عائلتها مشاركته بالطريقة نفسها. ولهذا يصبح نجاحها نفسه مصدر قلق؛ لأنه يحمل في داخله احتمال الابتعاد التدريجي عن عائلتها.
داخل النجاح وخارجه
وتبلغ هذه الفكرة ذروتها في مشاهد الغناء والحفل الموسيقي. تستطيع العائلة رؤية ابنتهم تتحرك وسط الفرقة على المسرح، ورؤية تصفيق الجمهور ومراقبته ، والشعور بفخر واضح تجاه ابنتهم، لكن لا تركز العائلة على روبي وحدها بقدر ما تراقب انعكاسها على الجمهور، وكأنها تحاول فهم نجاح ابنتها عبر أثره البصري لا عبر التجربة السمعية نفسها، فهم لايستطيعون سماع الشيء الأساسي نفسه: صوتها. هنا يصنع الفيلم واحدة من أكثر مفارقاته الإنسانية هدوءاً وألماً. فالمشكلة ليست غياب المحبة أو الدعم، بل وجود مساحة كاملة من تجربة الابنة تبقى خارج الإدراك الحسي المباشر لعائلتها.
وتأتي ملاحظة الأب المرتبكة حول أزرار قميصه التي ليست في مكانها، كتعبير خفي عن شعوره بعدم الانسجام داخل فضاء تحكمه قواعد سمعية واجتماعية لا يشعر بالانتماء الكامل إليها.
لهذا لا يبدو “كودا” فيلماً عن الصمم بقدر ما يبدو فيلماً عن حدود المشاركة الإنسانية نفسها. فالحب لا يزيل دائماً المسافات بين البشر، والاقتراب العاطفي لا يعني القدرة على الدخول الكامل إلى عالم الآخر. تبقى روبي معلقة بين عالمين: عالم تحبه لكنه لا يستطيع الوصول إلى موهبتها كاملة، وعالم جديد يمنحها حلماً وصوتاً خاصاً، لكنه يطلب منها في المقابل أن تبتعد تدريجياً عن الجذور التي جاءت منها.
وهكذا ينجح الفيلم في تقديم الصمت لا بوصفه نقصاً، بل كطريقة مختلفة للوجود، بينما تتحول المأساة الحقيقية إلى سؤال أكثر إنسانية وتعقيدًا: كيف يمكن للإنسان أن يشارك أحبّته عالماً لا يستطيعون إدراكه بالكامل؟