صحة الرجل

الأمثال: كنز الشعوب وذاكرتها – مجلة المنال

بقلم نورا الشرابي

تطلق كلمة “المثل” على الكلام البليغ المختصر، والذي شاع وانتشر لحسنه وصواب معناه، أو لاشتماله على حكمة ما.

ويصبح المثل جزءاً من التراث الشعبي عندما تتناقله الألسن عبر الأجيال حاملة معه تجارب الآخرين.

وربما اعتبر بعض المثقفين أن اختزال الكلام بالأمثال الشعبية هو نوع من التراجع وأحد مظاهر التخلف، لما فيه من تحييد للحوارات العقلية، واعتماده على تجارب فردية قائمة على ظروف آنية بمعطيات تتغير مع تغير الزمان، فماضوية التجارب، برأيهم، وقدسية الرموز، وصنمية المفاهيم، عوامل ترتقي بالمثل الشعبي إلى مستوى الإيمان المطلق بصحته، وهذه كما يعتبرها البعض إشارة إلى التخلف وعلامة له.

في الوقت الذي يعتقد آخرون بأن هذه الأمثال إذا أُخذت بمفهومها التاريخي والإنساني الخارج عن إطار الزمن، مع جدلية الصح والخطأ، يمكن أن تُعتبر تراثاً بشرياً هاماً.

تنقسم الأمثال وفق مضمونها إلى ثلاثة عناصر أساسية:

  1. أمثال متعلقة بالبنية الإنسانية: فقد قيل في المثل الشعبي: “العقل زينة” وهذا لا يتغير بتغير الزمان والمكان.
  2.  أمثال قائمة على السلوك الإنساني المطلق خارج أي إطار زماني أو مكاني كالصدق والأمانة، قيل: “الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مرديك وإن أمنته”.
  3. أمثال قائمة على الانفعالية، قاعدتها تجارب شخصية محصورة بزمان ومكان معينين قد تتغير نتائجها بتغير المعطيات. مثال على ذلك مثل من بلاد الشام نورده في هذا السياق، يقول: “بطيختين (مفردها بطيخة بالإماراتي: اليح) باليد ما بينحملو” (إشارة إلى أن الإنسان لا يمكن أن يقوم بعملين في وقت واحد)، لكن مع معطيات العصر الحالي وأدواته يمكن للإنسان أن يحمل أكثر من بطيخة (اليح) بذات الوقت، إشارة إلى إمكانية تعدد مواهبه وتنوع اختصاصاته.

تتميز الأمثال عن سائر الكلام بقصر متنها، وقلة عدد كلماتها، وغالباً ما تكون مسجّعة وهذا أدعى لحفظها في ذاكرة الشعوب عبر الأجيال:

قيل: ” البعد بعد القلوب مب بعد الدروب“.

وتحمل الأمثال أحياناً نفَساً هجائياً أو ساخراً

قيل: ” الطول طول نخلة، والعقل عقل صخلة

ويعبّر الفولوكلور الكلامي عن المشاهدات اليومية في الحياة، وهو شرعنة للفلسفة الشعبية، وغالباً يرتبط بظواهر اجتماعية أخرى كالأساطير والخرافات والألغاز الشعبية.

وتعاملت الأمثال مع كل ماهو يومي انطلاقاً من مشاهدات وتجارب شخصية ففي الطب والصحة قيل: “ما كل قرصك نيء” إشارة إلى أهمية الاعتدال في الأكل والحرص على الصحة، وتجنب تناول الأطعمة غير الناضجة التي تسبب المرض.

ولابد أن نفرق بين الأمثال وبين التعبيرات المشهورة التي جرت مجرى الأمثال، حيث أن الأخيرة غير كافية بذاتها ولا ترتبط بخرافة أو بتاريخ وإنما نطق بها أشخاص في مواضع معيّنة، فردّدت بعد ذلك إلى أن أصبحت شعبية ومتداولة. يُقال مثلاً: “عيني واعينك شيلني واشيلك” (الدعوة إلى التعاون المشترك بين الأفراد لتحقيق المصالح).

وتعتبر الأمثال وسيلة سهلة ومختصرة تستخدم في حديث الناس اليومي لإيصال معنى معين بأسلوب سهل الفهم والتداول وذي عمق في المعنى. وتأتي أهميتها من أمور عدة منها: تبسيط المعاني، نقل الحكمة، النصح والإرشاد، وتعزيز الهوية الثقافية للشعوب.

ولابد للمثل كي يكون مثلاً شعبياً أن تنطبق عليه بعض الصفات، منها:

  1. أن يكون مأخوذاً عن حكاية أو أسطورة، متل: “ماطال العنب قال عنه حصرم” وهي مقولة جاءت من حكايات كليلة ودمنة.
  2. أو أن يعتمد على حكايا تاريخية، مثل: “يافرعون مين فرعنك؟ قال: مالقيت حدا يردّني
  3. أو أن يكون مأخوذاً من كلام جرى على لسان شخصيات تاريخية، مثل:”الفرس من الفارس
  4. أو أن يكون مأخوذاً من كتاب مقدّس كالقرآن الكريم مثلاً: “كل نفس بما كسبت رهينة

وتعتبر الحكم الشعبية أقرب ما تكون إلى المثل الشعبي. يقول أرسطو: “بعض الأمثال هي حكم” (فن البلاغة) (Art of Rhetoric)

قيل مثلاً: “اللي ما عنده عمل يكاري له جمل واللي ما عنده حيلة يلعب التيلة” في إشارة إلى الدعوة إلى العمل والابتعاد عن الفراغ والبطالة.

أو المثل القائل: “مد ريلك (رجلك) عطول لحافك” في إشارة إلى الرضا بما قسمه الله.

لكن لابد للحكمة الشعبية حتى ترقى إلى مستوى المثل الشعبي أن تتمتع بصفات خاصة :

  1. أن تكون عامة: أي لا تخصص لجيل أو لثقافة معينة (بغض النظر عن اللهجة التي تنطق بها).
  2. تتماشى مع المنطق والعقل وماعهده الناس.
  3. بعيدة عمّا يسيء إلى قائلها أو سامعها.
  4. خالية من أي أمر يعيق حركتها وصيرورتها وانتقالها من جيل إلى جيل، أو من بلد إلى آخر، لأن الحكمة البشرية واحدة. كأن يقال مثلا : “حلّي لسانك تلقى الناس خلانك” (مثل يدعو إلى قول الكلام الطيب، والابتعاد عن الفظّ من الكلمات) فهذه حكمة بشرية عامة غير مخصصة بثقافة بعينها.

أخيراً وليس آخراً، يمكننا القول: إن الأمثال الشعبية تحوي خلاصات الحكمة والتجارب الإنسانية.

واجب علينا أن نوصل للأجيال التي تلي أفضل ما في الثقافة الشعبية الكلامية بعد غربلة التجارب الإنسانية واصطفاء الأفضل منها، ليبني الجيل القادم على ما انتهى إليه الجيل السابق.

من المهم بمكان حفظ الموروث الثقافي الذي يعطي لكل شعب هويته، وفي الوقت نفسه علينا أن نسبر مخزوننا الفكري والثقافي والشعبي ونمحصه  بغرض البحث عن أبعاد جديدة ربما تكون قد غابت عنا.

زر الذهاب إلى الأعلى