صحة الرجل

الذكاء الاصطناعي وصنع القرار – مجلة المنال

بقلم محمد بكر حمودة

صحيح أننا نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، إلا أن عالم الذكاء الإنساني هو عالم موغل في القدم.

لقد ارتقى بنا الذكاء الإنساني إلى أن طور أجهزة الحواسيب، بعد أن كانت حكراً على الدول والشركات الكبرى. لكن مع تطوير ما يسمى بالحاسوب الشخصي بدأ عصر جديد نعيش ثماره في وقتنا الحالي.

دخلنا كأفراد وجماعات عالماًً كبيراً واسعاً من الحياة المصنعة بذكاء، وبتنا قادرين على استخدام الحواسيب في صناعات كثيرة ومفاصل واسعة في الحياة اليومية.

 اعتمدت أيضاً صناعة الأفلام والسينما كثيراً على الحواسيب في ابتكار عوالم أشبه بالخيال وإلى ترجمة أي فكرة غير منطقية إلى صورة مرئية ومسموعة.

وفي عصرنا الحالي فإنه من المتوقع أن تتجاوز تطبيقات الذكاء الاصطناعي مساحة المجالات التي سينخرط بها لتصبح الأمور أكثر واقعية ومنطقية، وأقل تحيزاً، وأقل اعتماداً على الإنسان وقادرة على حل أكثر المعضلات تعقيداً.

سيتجاوز الذكاء الاصطناعى القدرات البشرية فى مجالات تعزيز الاستثمارات المالية، ناهيك عن أن أنظمة التشخيص الذكية أصبحت أكثر دقة من الأطباء في تشخيص الأمراض في بعض المجالات الطبية.

لكن ماذا عن الحكومات؟

 وماذا سيكون تأثير الذكاء الاصطناعي على طبيعة الحكومة وكيف تضع سياساتها في أي بلد كان؟

بل كيف تشكلت السياسة من خلال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟

وإذا أصبحت الآلات جزءاً من نظامنا السياسي، فهل يمكنها اتخاذ قرارات أخلاقية؟

وإلى أي مدى يمكن لهذه الآلات أن تدرك مجموعة واسعة من التخصصات التي تدخل في صنع القرار السياسي،  بما في ذلك الفلسفة الأخلاقية والقيم وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع؟

وهل سنصل إلى مرحلة يتم فيها إقصاء البشر من صنع القرار السياسي؟

 وهل سنستبدل القرار البشري بقرارات قائمة على البيانات، ومدعومة بالذكاء الاصطناعي؟

قد يكون الجواب على هذه الأسئلة نعم، وربما لا.

لأن العامل البشري هو الأكثر أهمية في الحياة، فربما يكون من الصعب الاستغناء عنه لأنه يعمل عملاً لا تستطيع أي آلة أن تقوم به، ألا وهو إدخال الجانب الروحي والعاطفي للأمور.

لا يمكننا من جهة أخرى اختزال الذكاء الاصطناعي ووضعه في خانة أن يكون تهديداً أو بديلاً محتملاً للإنسان، بل يجب النظر إليه كنتاج طبيعي لمسيرة التطور البشري ذاته.

فالإنسان، منذ فجر التاريخ، سعى إلى ابتكار أدوات تسهّل عليه فهم العالم والسيطرة على تعقيداته، من الحجر والنار إلى الآلة والبخار، وصولًا إلى الخوارزميات والأنظمة الذكية.

وفي هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي امتدادًا للعقل البشري، لا منافساً له؛ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من التعقيد، يبقى محكوماً بالبيانات التي يُغذّى بها، وبالافتراضات التي يضعها الإنسان في صميم خوارزمياته.

وإذا كانت هذه البيانات منحازة، أو ناقصة، أو معبرة عن واقع غير عادل، فإن مخرجات الذكاء الاصطناعي ستعيد إنتاج هذا الخلل وربما تضخّمه.

وهنا تتجلى أهمية الوعي البشري، ليس فقط في استخدام التقنية، بل في نقدها ومراجعتها وتصحيح مسارها.

من زاوية أخرى، يبرز البعد الأخلاقي بوصفه التحدي الأعمق.

فهل يمكن لآلة أن تفهم معنى التضحية، أو الإحساس بالظلم، أو قيمة الكرامة الإنسانية؟

وهل تستطيع الخوارزميات تقدير أثر القرار السياسي على النسيج الاجتماعي أو على الأجيال القادمة؟

إن هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابات حاسمة، لأنها تمسّ جوهر ما يعنيه أن تكون إنساناً، وهو جوهر يتجاوز المنطق الحسابي إلى مجالات الوجدان والضمير والمسؤولية الأخلاقية.

كما أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تآكل مهارات التفكير النقدي لدى صنّاع القرار، وإلى نوع من الاستسلام لسلطة “النتيجة الرقمية” باعتبارها الحقيقة المطلقة.

وفي هذه الحالة، يصبح الخطر ليس في سيطرة الآلة، بل في تراجع الإنسان عن دوره، وتخليه طوعاً عن مسؤوليته الأخلاقية والتاريخية.

لذلك، فإن المستقبل المنشود ليس مستقبل استبدال، بل مستقبل تكامل بين الإنسان والآلة؛ تكامل يجمع بين دقة الآلة وحدس الإنسان، بين سرعة المعالجة وعمق الفهم، بين البيانات الجافة والقيم الحية.

فالعقل البشري وحده قادر على ربط القرار السياسي بالسياق الثقافي، وبالهوية، وبالذاكرة الجماعية للشعوب، وهي عناصر لا يمكن برمجتها بسهولة ولا اختزالها في سطور من الشيفرة.

وفي النهاية، يبقى الذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكنها بلا روح.

أما الإنسان، فعلى الرغم من ضعفه وأخطائه، فهو الكائن الوحيد القادر على منح القرار معنى، وتحميله مسؤولية، وربطه بهدف أسمى يتجاوز المنفعة الآنية.

ومن هنا، فإن الحفاظ على الدور البشري في صنع القرار السياسي ليس خياراً تقنياً، بل ضرورة وجودية، تضمن أن يظل التقدم في خدمة الإنسان، لا العكس, وتبقى عاملاً مساعداً على إنضاج المجتمع وعلى ضرورة الحفاظ على التقاليد، وعدم محو الماضي بهدف الوصول الى المستقبل.

محمد بكر حمودة

مصمم غرافيك متخصص ومصور فوتوغرافي احترافي

زر الذهاب إلى الأعلى